محمد عبد الله دراز

222

دستور الأخلاق في القرآن

مناص إذن ، قبل أن نتخذ قرارا معينا ، من أن نحيط علما بالواقع الموضوعي ، لا في مجرى نموه الرّاهن فحسب ، بل في تأريخه ، وفي مصيره . وليس هذا هو كلّ شيء ، بل يجب أن نلاحظ في الوقت نفسه تنوع العوامل النّفسانية الّتي تحدد رد الفعل لدينا على الطّبيعة ؛ فإذا ضربنا هاتين المجموعتين من العوامل ، إحداهما في الأخرى ، فإنّ النّتيجة الّتي نحصل عليها في كلّ حالة هي دائما ثمرة أصيلة . فإذا أضفنا أنّ الزّمن لا يمكن أن يعيد نفسه وصلنا إلى نتيجة قاطعة هي : أنّ التّأريخ لا يمكن أن تتماثل فيه لحظتان أبدا . وهكذا تبرز في وضوح « الصّفة النّسبية » للحياة الأخلاقية . على أنّ فيلسوفنا الّذي عرف كيف يتفادى الخطأ الكانتي - لم يستطع أن يعصم نفسه من الوقوع في نقص معاكس ، فقد مضى ، تبعا لمنهجه في تعليم الأخلاق ، وكأنما كانت فكرة عدم التّماثل بين لحظتين من لحظات الحياة - تستبعد في نفس الوقت تشابههما ، ولا تسمح بأن يكون بينهما أيّ مقياس مشترك ، وكأنّما لا يوجد إلى جوار العنصر الفردي أي مكان يتسع لعنصر جنسي أعمّ ، وأشمل ، وكأنّما لا تترك الأشياء الّتي تمر أثرا لها ، يبقى من بعدها . وبناء على ذلك : يدعونا فيلسوفنا إلى أن نركز انتباهنا على العنصر الوقتي ، ويحثنا كذلك بصراحة على أن نتحرر من المبادئ ، والمثل ، ويرى : أنّه يجب ألا نكف عن إخضاعها للتجربة والاختبار ، بدلا من أن نخضع لها « 1 » . ولا تقتصر النّتيجة حينئذ على إعطاء كلّ امرئ الحقّ في أن يشرع لنفسه

--> ( 1 ) انظر ، 1 - la Senne , Traite ? de morale , p . 635 - 6